الرباط المقدس


« لولا الاستقرار لكان الزواج حمقا،و لولا العاطفة لكان إنجاب الأولاد جنونا، و لولا الدين لكان إنشاء البيت عبثا و سخفا » هذا ما قاله الدكتور مصطفى السباعي عن الزواج في مؤلفه هكذا علمتني الحياة، ذلك المؤلف الذي يعبر عن الثروة الفكرية و الملكات الأدبية التي يحملها،  فقد قام بجمع كل ما يمر به الإنسان في هذه الحياة من معارج  في صفحات معدودة بين مقالات وجيزة و خواطر صغيرة..فإن الارتباط و الزواج من سنن الحياة التي تضمن استمرار الجنس البشري، لكن الأمر ليس عملية بيولوجية أكثر من كونها عملية اجتماعية تجمع مابين توازن العقل و العاطفة.

فالارتباط في مجتمعنا متعلق بمفهوم العادة و بإحياء التقاليد و لكنه مع تغير الأجيال بدأ يتوسع ليصل إلى مفهوم مرتبط بالتوافق الفكري الذي يجمع مابين الحب و عالم الأفكار  لكنه لا يزال قيد التجريب غير قابل للتطبيق التام، بعد دراسة استطلاعية صغيرة حول مفهوم الارتباط و المعايير القاعدية التي يقوم عليها  الزواج بالنسبة للشاب الجزائري ،  إن كان مفهوم الحب مرتبط بمفهوم الزواج في مجتمعنا أم لا؟ هل التدين هو القاعدة الأساسية لاختيار الشريك؟ و ما إن كان  الجمال معيار تكاملي أم تكافئي؟ فلا يمكننا التحدث عن الارتباط من  دون ذكر معيار الجمال الذي يشكل اختلافا بين تصورات المرأة و بين تصورات الرجل، كلنا مرت علينا مقولة « الرجل يحب بالعين و المرأة تحب بالسمع » و قبل ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم  :  »  ألا أخبرك بخير ما يكتنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته. » ( راوه أبو داود و الحاكم )

    و لهذا تحليل علمي يكشف أن الرجل يضع معيار الجمال و الشكل الخارجي في المراتب المتقدمة في اختياراته.
بعد فرز النتائج نجد أنا مجتمع البحث انقسم إلى فئات متباينة نوعا ما، هناك من يرى أن الحب هو أرضية للاستقرار  فلبيوت لا تبنى إلى بعاطفة تحمي الجدران من الانهيار، وفئة أخرى تعتبر الحب هو إعجاب و توافق روحي ممهد لعلاقة قد تتطور و تعقد وثاقها الغليظ أم أنها ستتحلل إن انعدم « التناسب الروحي »، فئة أخرى لا ترى للحب مكان في تصوراتها فليست كل البيوت تبنى على المحبة!

   و  أوجدت ما هو أهم ريثما نجد للعاطفة طريقا بعد أن تتوفر مقاييس و مؤهلات أهم، كذلك نجد فئة تربطه بمقاييس أخرى هي التي ستخلق شعور المحبة و الميل كارتباطه بالدين و الثقافة، ..
و من المعطيات التي  قدمت لنا نجد أن الدين ينقسم بين فئتين بالتقريب، فئة تؤمن بالدين « بالجانب الروحي » فبمجرد أن يحمل الطرف الآخر لقب المسلم هذا يعتبر مؤهلا قطعيا و هذه الفئة تربط الدين بالعرف و العادات و بعض الممارسات في مناسبات معينة، أما الفئة الثانية فهي فئة  « التطبيق التصوري »  للدين لكنه هذا التطبيق يأخذ الشكل الجزء الأكبر من الممارسات الدينية، كذلك يجدر بنا ذكر  فئة أخرى متواجدة بنسبة ضئيلة وهي الفئة التي يمكن اعتبارها  « الدين الأساس » الذي به تقاس جميع المعايير  بمدى تكاملها معه فمن دونه لا تبنى العلاقة و هنا نجد أن هذه الفئة من الشباب  شكلوا نوعا من  التوازن مابين الجانب الروحاني للدين والعملي لبناء العلاقة فكما ذكرنا أنه لولا الدين لكان إنشاء البيت عبثا و سخفا، فحين تجمع القلوب على حب الله تسلك الطريق المنير  و كل ما يأتي من الله فهو حب من الله لنا، وكذلك يمكن اعتبار الحب سلوك وتفكير مرتبط بالوعي فكلما ارتفع الوعي في المجتمع كلما وصل إلى مستوى الرقي الحضاري، وهو مرتبط بالرصيد الديني الذي يحمله الأفراد إن كان رصيد من العبادات الظاهرية و العثرات الأخلاقية أم كان رصيد من التصديق و المعاملات الأخلاقية و التفكير السليم و الإيمان المطلق و بين هذا و ذاك يظهر الفرق في أحوال مجتمعنا الذي أخذت الماديات و المظاهر تحطم أهم ما يبنى عليه الارتباط من صفات معنوية و سلوكات أخلاقية، فحدث نوع من الالتباس لدى الشباب في اختيار الزوجة التي تتناسب مع تصوراتهم و تطلعاتهم، يذكر الدكتور مصطفى السباعي « أنواع الزوجات و يقول هن ثلاث : عاقلة كريمة المنبت فتلك أكرم الزوجات،وصالحة رضية النفس فتلك أرضى الزوجات، وجاهلة سيئة الأخلاق فتلك أتعب الزوجات »  ولا يمكننا المرور على ما قاله حول الزواج من المرأة الجاهلة و المرأة المتعلمة فقال  :

 » لا تتزوج الجاهلة، ولا واسعة الثقافة، فإن الزوجة الجاهلة بلاء، وواسعة الثقافة شقاء..الزوجة الجاهلة لا تفهم عنك، و المتعلمة أكثر منك لا تفهم عنك، و المساوية لك في الثقافة، أنت تزيد عليها برجولتك، و هي تزيد عليك بغرورها، و الرجولة تستوجب التحكم، و الغرور  يستلزم التمرد، و بين التحكم و التمرد يولد شقاء الأسرة، فمن الخير أن تكون أكثر ثقافة من زوجتك لتفثأ حدة الغرور بسلطان العلم. »

من يقرأ هذا قد يظن أنها آراء مشجعة عل الخمول المرأة الفكري والترغيب في الزواج من المرأة الأقل ثقافة و تعليم  من الرجل  و الابتعاد عن تلك واسعة الثقافة التي تهدد الاستقرار الأسري وقد يعتبره البعض هذا رأي انتهاك لحق المرأة في التعليم و الاطلاع على منابع العلم و الثقافة، و ربما قد يشعل هذا لدى البعض الصراع الذي لم يعف عنه الزمن بين الرجل و المرأة.

لكن لو نأخذ ما ذكره الدكتور بمنظور آخر نجد أنه لم يقلل من قيمة المرأة  ولم يصرح بلزوم الهيمنة الذكورية، كل ما ركز عليه هو –استقرار الأسرة-  و راحة كلا الطرفين  و ذلك من حكمته في الحياة و استقصائه من الواقع، فطبيعة الأنثى السوية ترغبها في التعلم أكثر و التفتح على معالم أخرى برفقة أحب الناس إليها و أقربهم .

 يستحضرني موقف أثناء مشاركتي في محاضرة حول النبي الزوج الصالح و المربي الفاضل » صلى الله عليه و سلم » و كان الأستاذ المحاضر سوري مقيم بالجزائر هو و عائلته منذ أربع سنوات، ما لفت انتباهي أنه لا يشارك في ملتقيات من دون زوجته فقد كانت هي من يرتب أوراقه و يشغل الكمبيوتر عنه، و في أثناء المحاضرة كانت تناقشه بأفكار مبهرة و كأنها طالبة أو مجرد مشاركة لا أحد منا ظن أنها زوجته للولهة الأولى، لكنني شعرت برباط بينهما لا يمكن تفسيره، بعد المحاضرة وفي فترة الاستراحة كانت تروي لنا الزوجة عن خطبتهما و زواجهما وأسلوبهما في تنشئة الأطفال قالت عبارة مميزة عن زوجها  باللهجتها الشامية  » أنا تربية إيدو  » يعني أنها ترجع فضل تعلمها و ثقافتها لزوجها  بما أنهما تزوجا في سن صغيرة  فكان لها الزوج المحب الذي يغض الطرف عن عثراتها و المعلم الذي لا يبخل عليها من علمه  و الإمام الذي يوجهها ويفقهها ،فكان هذا التوافق بينهما حجرة أساس لأسرة سليمة المنبت و التي أثمرت كذلك عن مشروع يديره زوجها حول البناء الأسري ولتأهيل الأخصائيين و إرشاد  المقبلين على الزواج.

المرأة الذكية تدرك أن جهلها لبعض التفاصيل الخاصة بالسياسية أو بالدين أو أين كان المجال و لو إدعاءا منها، يقربها من زوجها و يزيد من شعوره بالرجولة أمامها و هذا ما يحفظ مكانة خاصة في قلبه، لو أن الزوجة تحافظ على كونها أنثى و تقوم بدورها على أساس ذلك لتترك له المجال ليقوم بدوره هو  كرجل لخفت صراعات عديدة داخل الأسر ، و الزوجة الصالحة تعلم أن الخوض في نقاشات حادة قد تدمر علاقتها به تدريجيا، فكم من علماء أمتنا و مفكريها ساروا في طريق العلم و مضوا في إنارة الدرب لولا مساندة و تفهم زوجاتهم، و رجوعا لما قاله الدكتور مصطفى السباعي « …إن الرجل خير له أن يكون الأكثر ثقافة… » هو لا يقصد أن اهتمام الزوجة بالقضايا المهمة و التبادل الفكري قد يقود الأسرة إلى شقاء الأسرة، بل بالعكس تماما فهو قال الرجل يكون أكثر ثقافة، يعني أن الزوجة تملك مسبقا ثقافة قاعدية قابلة للتوسع و تسمح للرجل المثقف الارتباط بها و هذا ما يسمى بالتوافق الفكري بين الزوجين.

أنفال عائشة فضيل