ربَّما لا تحب التكنولوجيا.. لكنَّها تحبُّك


الكاتب «سكوت ريردون»، مؤلّف رواية «رجل برومثيوس»، يتحدَّث عن التكنولوجيا وكيف تخطَّت تغيير العالم الخارجي إلى التلاعب بذواتنا نحن. يقول:

في الميثولوجيا الإغريقية، علّم برومثيوس رجلًا الزراعة، لكنّه عندما أعطاه النار، شعرت الآلهة أنّه تخطّى حدوده؛ لذا كانت العقوبة: سلسل زيوس برومثيوس إلى صخرة، حيث يأتي الصقر كل يومٍ ويأكل كبده، وينمو كبده مجددًا؛ لأنه من الخالدين.

قصة برومثيوس هي عن هيمنة البشرية على عالمها، وكيف أن القوة المُطلقة مفسدة، لكن على عكس البديهي، انحاز العديد من الفنانين والكتّاب في الأعوام الألف الأخيرة إلى جانب زيوس، وليس برومثيوس. القصة ذات أهمية اليوم؛ لأن البشرية عند منعطفٍ مهم، وقوتان متضادتان علقتا في حربٍ تبدآن للتو في التكوّن. على جانبٍ هُناك ابتكاراتها والقوة التي تأتي معها، وعلى الجانب الآخر هناك حقيقة أنّه لا ابتكار على مستوى ذواتنا نحن.

لعشرات الآلاف من الأعوام، اتجهّت التقنية إلى الخارج – نحو العالم كلّه. الآن، لأول مرة في التاريخ البشري، وصلت التكنولوجيا إلى نقطة يُمكن معها أن ترتد إلى الداخل – على صانعيها. لقد وجدت التقنية شيئًا جديدًا يمكنها تغييره: نحن.

في 2010، أجرى الباحثون في جامعة كولورادو ما ظنّوه تجربة عادية على فئران المعمل. جرحوا أطراف الفئران وحقنوها بخلايا جذعية بهدف معالجة الضرر. ثمّ حدث شيءٌ غريب. تضاعفت العضلات في تلك الأطراف الصغيرة تقريبًا في الحجم والقوة. ليس ذلك فقط، بل إن العضلات بقيت هكذا مدى حياة كل فأر، متحدّية عملية الكِبر نفسها. لقد صنع الباحثون عن طريق الخطأ عرقًا من «الفئرات الخارقة».

تجربة أخرى في 2001 تضمنّت حقن خلايا جذعية بشرية، من بين كل الأشياء، في أمخاخ فئران متقدّمة في السن. وبعد فترة قصيرة، بدأت الفئران تؤدي أفضل في اختبار متاهة موريس المائية. بعبارات أخرى: لقد جعلت الخلايا الجذعية الفئران أذكى.

عندما يفكّر الناس في الخلايا الجذعية، عادة ما يفكّرون في علاجٍ محتمل لأمراض، مثل شلل باركينسون الرعّاش، لكن هناك استخدام آخر، وأكثر سوادًا بكثير، للخلايا الجذعية، على أشخاص أصحاء تمامًا. هذا التطبيق للخلايا الجذعية – تغيير الجسد البشري من الأساس – هو ما أعطاني فكرة روايتي، «رجل برومثيوس».

لقد سمع كلنا قصصًا عن الأم التي تمكنت من رفع سيارة عن طفلها بسبب ضخّ الأدرينالين في جسدها. تخيل استخدام الخلايا الجذعية في تكبير الغدّة الكظرية المُفرزة للأدرينالين إلى ثلاثة أضعاف حجمها. ستُنتج شيئًا على نفس مستوى الأشخاص الذين يتناولون عقّار PCP ويصبحون أشبه بالزومبي، لدرجة أنّهم يتلقّون ثلاث رصاصات ويظلون قادرين على ضرب ستة شرطيين. الاستخدامات العسكرية لمثل هذه التقنية، والأجزاء التي يُمكن «تحسينها» من جسم الإنسان، تمر برأسك كما لو أنّها شرائح عرضٍ في حلمٍ سيئ.

كل هذا ولم نتطرق حتى إلى الجزء الأكثر فتكًا من تشريح الإنسان: الدماغ. هناك كمية ثابتة من المساحة الفارغة في جمجماتنا. نظريًا، بتكبير الأجزاء التي تُريد تحسينها، مثل الجزء الذي يتحكم في ردود الأفعال والتنسيق، يُمكنك أيضًا تقليص الأجزاء التي تُريد إضعافها، مثل الجزء المُرتبط بتأنيب الضمير.

وضع في حسبانك أن الأشياء لا تحتاج إلى أن تؤول إلى هذا في العالم الواقعي. كما حاولت أن أُظهر في كتابي، غالبًا ما تكون المحاولة نفسها هي المصدر الحقيقي للرعب.

لقد شهد القرن العشرين اختراع أسلحة الدمار الشامل. وشهِد أيضًا ابتكاراتٍ في الأيديولوجية هلّلت لتدمير 200 مليون شخص، حوالي 8% من سكّان العالم، في الحروب وأعمال القمع،لكن التقنيات الوليدة اليوم تأخذ الأشياء في الاتجاه المُعاكس. بتحسين أجسادنا، تزيد قدرتنا على ارتكاب عنفٍ أكثر حميمية – وبالتالي أكثر خُفية. تأخذنا تلك التحسينات إلى جذورنا. وتفعل ذلك في وقتٍ لا يقتتل في حروبه جانبان متساويان في ساحة قتال. إنها غالبًا هجمات سريعة – تنتهي قبل أن يعرف أغلب الناس بها – حيثُ الهدف هو إنزال أقصى درجات اليأس، ليس بالهدف، وإنما بالمشاهدين في المنزل.