!نهضة الفينيق العظيم


من منا لم يشاهد فيلم هاري بوتر؟  إنه من أشهر أفلام العصر، كيف لا يشتهر وسحر إنتاجه يعادل السحر في القصة نفسها؟ لقد كان أكثر ما لفت انتباهي في الفيلم ذاك الطائر العظيم، إنه طائر دمبلدور _طائر الفينيق_ الذي أنقذ هاري بوتر من الثعبان الضخم، وعالج جراح هاري بدموعه السحرية، لكن ليس هذا ما جذبني إليه، الذي فعل هو طريقة ولادة هذا الطائر، فهو ليس كغيره من الطيور التي تبيض ويفقس بيضها، إنه عجيب حقا، فهو يحترق عند حلول ساعة موته، ليخرج من رماده فرخ صغير يخلفه في هذه الدنيا، إنه يحترق، تماما كما تحترق هذه الأمة الآن، فهل سيخرج من رفات احتراق امتنا جيل النهضة المنشودة؟

ربما الأمة اليوم في حالة الاحتراق، وربما تجاوزتها وظهر طائرها الصغير الضعيف الذي يحتاج لبعض الاعتناء والتدريب ليحلق مجددا في أعالي السماء، إن هو أراد وإن هو عمل على ذلك، أو بالأحرى إن نحن أردنا وعملنا على ذلك، فهل لنا إرادة النهضة؟!

قال تعالى : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) النحل/40 . سبقت كلمة الإرادة كلمة الخلق في الآية، وهذا هو شأن كل أمر في الوجود، فبعد تشكل فكرته تأتي الإرادة إليه، ثم يتحقق واقعيا، إنما قدمنا الآية وما بعدها لنبين أن النهضة يجب أن تتكون فكرتها في أذهان المسلمين قبل كل شيء، فتكون لهم الإرادة لتحقيقها قبل أن يبدأ العمل من أجلها، فلا وجود لشيء في الواقع دون وجود فكرته قبل ذلك، ولله الحمد أن فكرة النهضة موجودة عند المسلمين، لكن مالذي يجعلها لا تتحقق بعد؟

مصداق الفكرة هو الرغبة، فالفكرة وحدها لا تكفي، فقد أفكر في التفوق في الدراسة مثلا لكني لا أرغب بذلك، بل أرغب أن أتفوق في الرياضة، كذلك في النهضة يجب أن تتكون الرغبة الملحة لها، الرغبة التي طمست بفعل الواقع البئيس المفقد للأمل، الرغبة التي لن تكون إلا باستشعار أهمية النهضة، واستشعار أهمية عمل من يساهم في النهضة وفي خلافة الله على هذه الأرض، الرغبة التي لن تكون إلا بترك الشهوات والملهيات، وتجديد الأهداف ورفع الهمم.

تشتعل الرغبة في صدورنا كالنار المسعورة بعد سماع خطاب حماسي حول الدعوة، الجهاد، والعمل لنهضة الأمة، لكنها سرعان ما تنطفئ بعد أيام كأقصى حد للأسف، وذلك لأن الرغبة شيء عاطفي يتأثر بسرعة في كلا الاتجاهين السالب أو الموجب، وهنا يأتي دور النية، وتختلف الرغبة عن النية إذ أن هذه الأخيرة تعني العزم على فعل الشيء واتخاذ القرار بشأنه، وهي أول خطوة قبل أي عمل، وما يجب أن نقوم بالتركيز عليه هو تحويل هذه الرغبة إلى نية ما دامت متقدة وقبل أن تنطفئ جذوتها في قلوبنا، فكما يقال’’لا تغادر المكان الذي قررت فيه التغيير قبل أن تخطوا الخطوة الأولى’’.

‘‘لا يغلب أثنتا عشر ألف من قلة‘‘ هكذا جاء في الحديث النبوي، لكن لماذا اثنتا عشر ألف؟ هل في الرقم سر؟! إن السر هو في توحد نيات الجنود لطلب النصر، فإن اجتمعت نيات مجموعة كبيرة للقيام بشيء ما فإنه من الصعب أن يهزم أو يخسر هؤلاء،  وقد سعى الإمام أحمد في السابق إلى الاتصال بكل من هو معروف بالصلاح والزهد في زمانه، وسعى أن تكون بينهما معرفة، لأن في ذلك قوة للدعوة وتمكنا لأهل الحق، وقد صرّح الدكتور طارق السويدان بذلك إذ قال: الاحتكاك بالمتميزين يزيد من فرص نجاح التغيير، وهو كذلك فكلما تحد هؤلاء المصلحون على راية واحدة زادوها قوة وتمكنا، فهل لهم أن يتحدوا خلف راية الحق؟!

وهن عظم هذه الأمة واشتعل رأسها شيبا وهي غارقة في درن التخلف عالقة فيه، ورغم أن هذا طبيعي للأمم قبل أن تقوم قائمتها من جديد، إلا أن وضعها لا يقبل المزيد، فيا أيها الشباب نقتبس لكم مما قاله الإمام حسن البنا ‘‘ أيها الشباب؛ إنما تنجح الفكرة إذا قوى الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها‘‘ فهل نبقى منتظرين حتى يستبدلنا الله بقوم يحبهم ويحبونه، مؤمنين بفكرة النهضة عاملين عليها، أم نلتحق بركب المصلحين الداعين إلى عمل الخير وخير العمل، وهل نساهم في تحليق الفينيق مجددا؟؟

ابراهيم الخليل بن شتيوي